فصل: سورة الأحزاب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (11- 20):

{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)}
{قُلْ يتوفاكم} يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً ولا يبقي منكم أحداً، والتفعل والإِستفعال يلتقيان كثيراً كتقصيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته. {مَّلَكُ الموت الذي وُكّلَ بِكُمْ} بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم. {ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ} للحساب والجزاء.
{وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ} من الحياء والخزي. {رَبَّنَا} قائلين ربنا. {أبصارنا} ما وعدتنا. {وَسَمِعْنَا} منك تصديق رسلك. {فارجعنا} إلى الدنيا. {نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ} إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا، وجواب {لَوْ} محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً، ويجوز أن تكون للتمني والمضي فيها وفي {إِذْ} لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع، ولا يقدر ل {تَرَى} مفعول لأن المعنى لو يكون منك رؤية في هذا الوقت، أو يقدر ما دل عليه صلة إذا والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد.
{وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له. {ولكن حَقَّ القول مِنِّي} ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسبباً عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا} فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له. {إِنَّا نسيناكم} تركناكم من الرحمة، أو في العذاب ترك المنسي وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم. {وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكير فيها دلالة على أن كلاً منهما يقتضي ذلك.
{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بئاياتنا الذين إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا} وعظوا بها. {خَرُّواْ سُجَّداً} خوفاً من عذاب الله. {وَسَبَّحُواْ} نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث. {بِحَمْدِ رَبّهِمْ} حامدين له شكراً على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الإِيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبراً.
{تتجافى جُنُوبُهُمْ} ترتفع وتتنحى. {عَنِ المضاجع} الفرش ومواضع النوم. {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} داعين إياه. {خَوْفًا} من سخطه. {وَطَمَعًا} في رحمته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: «قيام العبد من الليل» وعنه عليه الصلاة والسلام: «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس».
وقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم. {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} في وجوه الخير.
{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم} لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} مما تقربه عيونهم. وعنه عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه، أقرؤوا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم» وقرأ حمزة ويعقوب {أُخْفِىَ لَهُم} على أنه مضارع أخفيت، وقروء نخفي وأخفي الفاعل للكل هو الله، وقرأت {أَعْيُنِ} لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة و{مَا} موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه. وقيل هذا القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.
{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} خارجاً عن الإِيمان {لاَّ يَسْتَوُونَ} في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى.
{أَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جنات المأوى} فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة. وقيل المأوى جنة من الجنان. {نُزُلاً} سبق تفسيره في سورة (آل عمران). {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بسبب أعمالهم أو على أعمالهم.
{وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار} مكان جنة المأوى للمؤمنين. {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا} عبارة عن خلودهم فيها. {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} إهانة لهم وزيادة في غيظهم.

.تفسير الآيات (21- 24):

{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)}
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الأدنى} عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر. {دُونَ العذاب الاكبر} عذاب الآخرة. {لَعَلَّهُمْ} لعل من بقي منهم. {يَرْجِعُونَ} يتوبون عن الكفر. روي أن الوليد ابن عقبة فاخر علياً رضي الله عنه يوم بدر فنزلت هذه الآيات.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} فلم يتفكر فيها، و{ثُمَّ} لاستبعاد الإعراض عنها مع فرض وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلاً كما في بيت الحماسة.
وَلاَ يَكْشِفُ الغُمَاءَ إِلاَّ ابْن حرَّة ** يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورها

{إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ} فكيف ممن كان أظلم من كل ظالم.
{وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب} كما آتيناك. {فَلاَ تَكُن في مِرْيَةٍ} في شك. {مّن لّقَائِهِ} من لقائك الكتاب كقوله: {إِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان} فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه فليس ذلك ببدع لم يكن قط حتى ترتاب فيه، أو من لقاء موسى للكتاب أو من لقائك موسى. وعنه عليه الصلاة والسلام: «رأيت ليلة أسري بي موسى صلى الله عليه وسلم رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة» {وجعلناه} أي المنزل على موسى. {هُدًى لّبَنِى إسراءيل}.
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ} الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام. {بِأَمْرِنَا} إياهم به أو بتوفيقنا له. {لَمَّا صَبَرُواْ} وقرأ حمزة والكسائي ورويس {لَمَّا صَبَرُواْ} أي لصبرهم على الطاعة أو عن الدنيا. {وَكَانُواْ بئاياتنا يُوقِنُونَ} لإمعانهم فيها النظر.

.تفسير الآيات (25- 30):

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)}
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين.
{أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ} الواو للعطف على منوي من جنس المعطوف والفاعل ضمير ما دل عليه. {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون} أي كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية، أو ضمير الله بدليل القراءة بالنون. {يَمْشُونَ في مساكنهم} يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم، وقرئ: {يَمْشُونَ} بالتشديد. {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر واتعاظ.
{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز} التي جرز نباتها أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} وقيل اسم موضع باليمن. {تَأْكُلُ مِنْهُ} من الزرع. {أنعامهم} كالتين والورق. {وَأَنفُسِهِمْ} كالحب والثمر. {أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} فيستدلون به على كمال قدرته وفضله.
{وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله: {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا} {إِن كُنتُمْ صادقين} في الوعد به.
{قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وهو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكفرة والفصل بينهم. وقيل يوم بدر أو يوم فتح مكة، والمراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون وانطباقه جواباً على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيباً واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تبال بتكذيبهم، وقيل هو منسوخ بآية السيف. {وانتظر} النصرة عليهم. {إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ} الغلبة عليك، وقرئ بالفتح على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة ينتظرونه.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ (ألم تنزيل)، (تبارك الذي بيده الملك) أعطي من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر» وعنه: «من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام».

.سورة الأحزاب:

مدينة وآيها ثلاث وسبعون آية.

.تفسير الآيات (1- 10):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)}
{يا أيها النبى اتق الله} ناداه بالنبي وأمره بالتقوى تعظيماً له وتفخيماً لشأن التقوى، والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعاً له عما نهى عنه بقوله: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} فيما يعود بوهن في الدين. روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم ابن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت. {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً} بالمصالح والمفاسد. {حَكِيماً} لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة.
{واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ} كالنهي عن طاعتهم. {إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فموحٍ إليك ما تصلح به أعمالك ويغني عن الاستماع إلى الكفرة، وقرأ أبو عمرو بالياء على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي أن الله خبير بمكايدهم فيدفعها عنك.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} وكل أمرك إلى تدبيره. {وكفى بالله وَكِيلاً} موكولاً إليه الأمور كلها.
{مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ} أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإِنساني أولاً ومنبع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد. {وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} وما جمع الزوجية والأمومة في امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو جميل ابن أسد الفهري ذو القلبين، والزوجة المظاهر عنها كالأم ودعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن محمد، أو المراد نفي الأمومة والبنوة عن المظاهر عنها والمتبنى ونفي القلبين لتمهيد أصل يحملان عليه. والمعنى كما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل لم يجعل الزوجة والدعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أمه وابنه اللذين بينهما وبينه ولادة، وقرأ أبو عمرو {اللاي} بالياء وحده على أن أصله اللاء بهمزة فخففت وعن الحجازيين مثله، وعنهما وعن يعقوب بالهمز وحده، وأصل {تظاهرون} تتظاهرون فأدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ ابن عامر {تظاهرون} بالإدغام وحمزة والكسائي بالحذف وعاصم {تظاهرون} من ظاهر، وقرئ: {تظهرون} من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد وتظهرون من الظهور. ومعنى الظهار: أن يقول للزوجة أنت علي كظهر أمي، مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقاً في الجاهلية وهو في الإِسلام يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها، وهو بمعنى حلف وذكر الظهر للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ذكره يقارب ذكر الفرج، أو للتغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء، وأدعياء جمع دعي على الشذوذ وكأنه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه.
{ذلكم} إشارة إلى ما ذكر أو إلى الأخير. {قَوْلُكُم بأفواهكم} لا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي. {والله يَقُولُ الحق} ما له حقيقة عينية مطابقة له. {وَهُوَ يَهْدِى السبيل} سبيل الحق.
{ادعوهم لآبَائِهِمْ} أنسبوهم إليهم، وهو أفراد للمقصود من أقواله الحقة وقوله: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} تعليل له، والضمير لمصدر {ادعوهم} و{أَقْسَطُ} افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ في الصدق. {فَإِن لم تعلموا آباءهم} فتنسبوهم إليهم. {فَإِخوَانُكُمْ في الدين} أي فهم إخوانكم في الدين. {ومواليكم} وأولياؤكم فيه فقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان. {ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم أو ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} لعفوه عن المخطئ. واعلم أن التبني لا عبرة به عندنا وعند أبي حنيفة يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن إلحاقه به.
{النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ} في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس، فلذلك أطلق فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها. روي: أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ناس نتسأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت. وقرئ: {وهو أب لهم} أي في الدين فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة. {وأزواجه أمهاتهم} منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: لسنا أمهات النساء. {وَأُوْلُواْ الأرحام} وذوو القرابات. {بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} في التوارث وهو نسخ لما كان في صدر الإِسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين. {فِى كتاب الله} في اللوح أو فيما أنزل، وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيم فرضط الله. {مِنَ المؤمنين والمهاجرين} بيان لأولي الأرحام، أو صلة لأولي أي أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة. {إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً} استثناء من أعم ما يقدر الأولوية فيه من النفع والمراد بفعل المعروف التوصية أومنقطع {وَكَانَ ذلك في الكتاب مَسْطُورًا} كان ما ذكر في الآيتين ثابتاً في اللوح أو القرآن.
وقيل في التوراة.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ} مقدر باذكر وميثاقهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم. {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ} خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا عليه الصلاة والسلام تعظيماً له وتكريماً لشأنه. {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً} عظيم الشأن أو مؤكداً باليمين، والتكرير لبيان هذا الوصف تعظيماً له.
{لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ} أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما قالوه لقومهم، أو تصديقهم إياهم تبكيتاً لهم أو المصدقين لهم عن تصديقهم فإن مصدق الصادق صادق، أو المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم. {وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً} عطف على {أَخَذْنَا} من جهة أن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لإِثابة المؤمنين، أو على ما دل عليه ليسأل كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.
{يا أيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} ريح الصبا. {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} الملائكة. روي أنه عليه الصلاة والسلام لما سمع بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبينهم، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى بعث الله عليهم ريحاً باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في جوانب العسكر، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال. {وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ} من حفر الخندق، وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة. {بَصِيراً} رائياً.
{إِذْ جاءُوكم} بدل من إذا جاءتكم. {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان. {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش. {وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار} مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصاً. {وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر} رعباً فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب. {وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا} الأنواع من الظن فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال والضعاف القلوب والمنافقون ما حكي عنهم، والألف مزيدة في أمثاله تشبيهاً للفواصل بالقوافي وقد أجرى نافع وابن عامر وأبو بكر فيها الوصل مجرى الوقف، ولم يزدها أبو عمرو وحمزة ويعقوب مطلقاً وهو القياس.